ابن تيميه
19
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
« كذب نوف » لما قال : إن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر « 1 » ، ومثل هذا كثير . فإذا كان هذا الخبر الذي ليس بمطابق يسمّى كذبا فما هو كذب ظاهر أولى ، ومثل هذا إذا حكم بين الناس بالجهل فهو أحد القضاة الثلاثة الذين قال فيهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « القضاة ثلاثة ؛ قاضيان في النار وقاض في الجنة ؛ رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار » . وإن قيل فيه : قد يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له ، فحكمه الذي أخطأ فيه وخالف فيه النص والإجماع باطل باتفاق العلماء ، وكذلك حكم من شاركه في ذلك . وكلام هذا وأمثاله يدلّ على أنهم بعيدون عن معرفة الصواب في هذا الباب ، كأنهم غرباء عن دين الإسلام في مثل هذه المسائل لم يتدبّروا القرآن ولا عرفوا السنن ولا آثار الصحابة ولا التابعين ولا كلام أئمة المسلمين ، وفي مثل هؤلاء قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح : « بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ » « 2 » . فشريعة الإسلام في هذا الباب غريبة عند هؤلاء لا يعرفونها ، فإن هذا وأمثاله لو كان عندهم علم بنوع من أنواع الأدلة الشرعية في هذا الباب لوزعهم ذلك عما وقعوا فيه من الضلال والابتداع ومخالفة دين المرسلين ، والخروج عما عليه جميع أئمة الدين ، مع ما فيه من الافتراء على اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلّم وعلى علماء المسلمين وعلى المجيب . والاستدلال على ما ذكروه بما لا يصلح أن يكون دليلا ؛ إما حديث صحيح لا يدل على المطلوب وإما خبر معتل مكذوب ، والمستدلّ بالحديث عليه أن يبين صحته ويبين دلالته على مطلوبه . وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا ، بل إن ذكر حديثا صحيحا لم يكن دالا على محل النزاع ، وإن أشار إلى ما يدل ؛ لم يكن ثابتا عند أهل العلم بالحديث الذين يعتد بهم في الإجماع والنزاع . فأما ما فيه من الافتراء والكذب على المجيب فليس المقصود الجواب عنه وله أسوة أمثاله من أهل الإفك والزور ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [ النور : 11 ] . بل المقصود الانتصار للّه ولكتابه ولرسوله ولدينه ، وبيان جهل الجاهل الذي يتكلم في الدين بالباطل وبغير علم . فأذكر ما يتعلق بالمسألة وبالجواب . وليس المقصود أيضا العدوان
--> ( 1 ) انظر « صحيح البخاري » ( 4725 ) . ( 2 ) الحديث مروي عن جمع من الصحابة ، منهم عبد اللّه بن عمر ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبو هريرة ، وسهل بن سعد الساعدي ، وعمرو بن عوف ، وجابر بن عبد اللّه ، وغيرهم . وهو عند مسلم ( 146 ) من حديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه .